26 فبراير 2025

سنة القطط السِّمان: أن تعيش على الحافة!

"كيف انقضى الوقت يا بوفهد؟"
كان هذا عنوان المقال الذي تعرفت من خلاله على قلم عبد الوهاب الحمَّادي، والذي كتبه قبل سبعة أعوام بعد وفاة الروائي الكويتي إسماعيل فهد إسماعيل. من وقتها وأنا أريد قراءة الأعمال الروائية لصاحب هذا المقال الشجِّي، ولكن لم أتعرف على "الروائي" عبد الوهاب الحمادي إلا نهايات العام الماضي من خلال روايته "لا تقصص رؤياك".


كنت أتابع كتاباته وتعليقاته الذكية ذات الحِس الساخر في منصات التواصل الاجتماعي، وحصلت على روايته الأخيرة "سنة القطط السِّمان" يوم إطلاقها بالقاهرة ديسمبر الماضي، وارجأت قراءتها لانشغالي وقتها بالكتابة عن "أسفار مدينة الطين" كيلا أظلم القطط السِّمان بغرقي في عالم "خليفوه أبو القطاوة".
وقبل ثلاثة أسابيع بدأت قراءة الرواية، انهيتها للمرة الأولى في ثلاث جلسات، وتوقفت طويلاً أمام النهاية غير المتوقعة، ثم بدأتها مرة ثانية قبل أيام استعدادًا لمناقشتها اليوم في ملتقى صيدلية الكتب.

من البداية استوقفتني لوحة الغلاف للرائعة "مشاعل الفيصل"، وهي أيضًا صاحبة لوحة غلاف "لا تقصص رؤياك"، وبالطبع لوحات مشاعل بالنسبة لي واحدة من أسباب محبتي للعمل حتى قبل قراءته، فهي قارئة ذكية قبل أن تكون رسامة مُبدِعة، لا تضع لوحاتها بناءً على تكليف صاحب العمل، وإنما ترسم ما يلمس وجدانها، وتقدم رؤيتها الفنية التي تُشَكِّل نص موازي للعمل الروائي، فكانت لوحة القط الأسود بعقاله المُذَهَّب وغترته البيضاء المنسدلة على جسده المستلقي فوق المقعد، والمسبحة بيده، وأمامه منضدة بها كوب شاي، وخلفه الأزرق المتدرج بين الخليج والسماء، مع مساحات واسعة من "الصحراء" إن جاز التعبير، في ثُلثَي اللوحة تقريبًا، كان ذلك كله مثار أسئلة كثيرة داخلي عن ما سأقابله خلف هذا الغلاف المثير!
وفي كلمة الغلاف الخلفي كان ثاني مفاتيح قراءة هذه الرواية: "هي حكاية عن الطموح والإنسان المُسَيَّر والمُخَيَّر والارتباط بإرثٍ محمول على الكاهل منذ الولادة، وعن أرض معجونة بالسياسة".
اختارت الرواية عامًا مهمًا في تاريخ الكويت ليكون زمنًا لها، 1937، حيث نهايات زمنٍ مألوف وبدايات لزمنٍ غير واضح المعالم؛ قلت رحلات الغوص على اللؤلؤ وما عادت هي مصدر الدخل الرئيس للبلد، بعد سيطرة اللؤلؤ الصناعي على الأسواق، ووفاة الكثير من الغاصة المهرة، أو اعتزالهم لمهنة الغوص الشاقة وتفضيلهم لمهن أكثر استقرارًا وأقل خطرًا، كوالد مساعد مثلاً. وبدايات التنقيب الأجنبي عن النفط في جنوب الكويت، محاطًا بالكثير من السرية والتكهنات عن ما يمكن أن يُحدثه هذا العنصر الجديد في البلد، وهل ستُسفِر هذه العمليات عن شيء أم ستعود خائبة؟ ومَن سيكون صاحب الحق في الخير القادم: أهل البلد أم المُنَقِب الأجنبي؟
عامٌ ضبابي تليق به شخصية متذبذبة مثل "مساعد"، هذا الفتى الواقف على حافة الأشياء، يرغب في إيجاد جذر لكل كلمة، يحسب أن العالم بين دفتي قاموسه فلا يفارقه، يحب العِلم والقراءة ولكنه يغرق في عالم الأرقام والحسابات بعيدًا عن جلسات "المتنورين"، يشتهي السفر عبر خريطة ممتدة على جدار دار الاعتماد، ولا يقوَّ على مغادرة سور الديرة! ينبهر بحياة آل التاير ومعيشتهم، وحين تأتيه الفرصة يدخلها بخوفٍ وسرية وحظٍ عسر يُجهض المحاولة في مهدها، فلا يناله من حياة آل التاير إلا "صديري" يُشبه صديري منصور!
الرواية عن "إنسان" هذه السنة الفارقة وما يتنازعه من أحاسيس حول زمنٍ عاشه وعرف ما فيه، وزمنٍ آتٍ لا محالة لا يدري ماذا سيكون مصيره به. لم تكن حادثة غش الهندستاني إلا غلالة رقيقة شاهدنا من خلالها واقع الكويت في 1937، واستطاع الحمادي بذكاءٍ شديد ولغة سهلة وحبكة متقنة، تقديم بانوراما لكافة عناصر المجتمع الكويتي آنذاك، وربطه بحادثة مشكوك في صحة حدوثها أصلاً، ولكنها كشفت أقنعة الكثيرين؛ التاجر الذي يسارع بتقديم زكاة ماله للمُلاَّ ليصرفها كيفما يشاء، مع التعريض بمن لا يؤدون زكاتهم رغم مكاسبهم الكثيرة التي قد تكون بسبب الغش، فهم غرباء لا يعرفون الدين، وينبغي تحذير المجتمع منهم ومن أفعالهم! والمُلاَّ الذي يستخدم منبره إرضاءً لأهواء التاجر كيلا ينقطع سيل المال، ومُلاَّ جديد تغريه مكتسبات منصبه فينسى معروف صاحبه القديم ويتنكر له ويسكت عن نصرته.
وبين أموال التجار وحناجر الملالوة، هناك "المتنوِّرين": المتعلمين من شباب البلد، من تجمعهم أحاديث الأدب والثقافة والعروبة في المقاهي، ومجلس الشاعر صقر شبيب. هؤلاء ممن يحلمون بغدٍ أفضل لبلدهم بعيدًا عن ضيق التعصب والانغلاق، ولكنهم يواجهون بدعوات التكفير من رجال الدين وحثهم للناس للابتعاد عن مخالطة هؤلاء "المتنورين" "سوَّد الله وجوههم"!
الرواية طرحت أسئلة هذا الجيل الحائر حول العروبة والاحتلال والحرية والمسئولية المجتمعية، وعرضت وجهة نظر كل طرف دون انتصارٍ لأحدها على الآخر، فالقارئ أصبح طرفًا في هذا الجدل، يكوِّن رأيه الخاص وفقًا لقناعاته وميوله الشخصية.
أجمل الروايات، في رأيي، هي تلك التي لا تقدم إجابات قاطعة ولا حلولاً نهائية، وإنما تدفع القارئ لتضعه على حافة الإجابة وتتركه لخياله ليُكملها حسبما يشاء. وفي "سنة القطط السِّمان" نجح الحمادي في ذلك إلى حدٍ بعيد، فبعد قراءة أخر سطر في الرواية ابتسمت وأغلقتها وأنا أستعيد أحداثها مرةً أخرى، واتساءل حول مصير مساعد، وكل مساعد، تمنحه الأقدار الفرصة نفسها مرتين، فهل يستفيد من أخطاء تجربته الأولى، أم سيُجهض حلمه ثانيةً؟!
كلمة أخيرة:
بالطبع استمتعت بالرواية كثيرًا، ولا أُنكِر أن غرقي لعامين في "أسفار مدينة الطين"، جعلني أدخل سريعًا في عالم "سنة القطط السِّمان"، حيث كان المكان مألوف بالنسبة لي، والمقاهي وأسماء الأسواق والمكتبات، كنت أشعر أني في بيئة قريبة ومُحَبَّبة، وبين أُناسٍ أعرفهم، ولم أشعر بغرابة بعض الكلمات العامية، وحتى لم أبحث عنها وإنما فهمتها من السياق.
كانت تجربة ثانية ممتعة مع قلم عبد الوهاب الحمادي، الذي تأخرت كثيرًا في التعرف عليه، ولكن عزائي أن هناك متعة كبيرة تنتظرني في رواياته السابقة التي لم اقرأها بعد، وإبداعاته القادمة التي انتظرها بشغفٍ كبير.

ليست هناك تعليقات: