‏إظهار الرسائل ذات التسميات أنا و... هؤلاء. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أنا و... هؤلاء. إظهار كافة الرسائل

05 ديسمبر 2025

برّات البلد، جوّات البلد


كانت هذه البطاقة البريدية هي أول ما قابلني على المقعد مع صورة فوتوغرافية لبطل العرض ومخرجته وبينهما والدتها على ما أظن؛ بداية ودودة وترحيب حميم، مع ديكور المسرح البسيط وإضاءته الهادئة، وصوت فيروز ينساب بنعومة في الخلفية:
                         قال يا بيتًا لنا جاورتك الأنهر
                                 ليت ما كان هنا من سنًا لا يهجر
ويخفت الصوت رويدًا رويدًا، ليدخل "سعد حاجو" حاملاً حقيبة الظهر ويبدأ الحكي، في مونودراما إنسانية شديدة العذوبة، صاغها بذكاء وبراعه الروائي "عبد الوهاب الحمادي"، عن سيرة "حاجو"، ليقدم لنا سيرة "إنسان" وطننا العربي.
   العرض يخطف المُشاهد منذ اللحظة الأولى، ويورطه بالحكاية، ويدفعه للتفكير في التقاطعات الكثيرة بين حياته الخاصة وبين ما يسمعه على خشبة المسرح، ويثير في ذهنه أسئلة كثيرة عن معنى: "الوطن"، "النسيان"، "الحرية"، "الضياع"، "الانتماء". 
"حاجو" قدم أداءً طبيعيًا ومحترفًا في الوقت نفسه، حركاته، والدموع المحبوسة في عينيه في مقاطع بعينها، نبرة صوته وتلونها حسب ما يحكيه، ونجاحه في أن يحوِّل النص المكتوب لمشاهد مرئية عبر صوته فقط؛ رأيت أزقة دمشق وحاراتها، وزحمة السوق ثم هدوء مسجد ابن عربي، سمعت صوت زياد يسأله: "جوعان؟"، وشممت رائحة أزهار حديقة منزل الجدة بالشام، وشعرت ببرودة السويد، وفتنتني قباب قرطبة ومبانيها. 
قدم "الحمادي" في عرضه المسرحي الأول نص متماسك، يحمل بصمته وحسه الساخر، ونجح في توظيف جملة "أم بشير": "إنت يا سعد عم تنسى لإنك برّات البلد، وأنا عم إنسى لإني جوّات البلد، الله يحميك يا سعد"، واختيار أماكن تكرارها، بشكلٍ يربط أجزاء النص ويدعم مقصده. 
ثم يأتي الختام بتنويعة على الجملة نفسها، برع "حاجو" في أدائها ودمعة تلمع بعينيه، وصوته ينفذ للقلب مباشرةً: "أنا جوّات البلد وما عم بإنسى، وإنتِ برّات البلد وما عم تنسي"!
 وتخفت الإضاءة لينساب صوت فيروز ثانيةً، وتنساب معه الدموع:
             كلهم قد كَبُروا.. أهلنا والزهرُ
                       وأنا في هدب من أهوى.. سُنونُ تعبرُ.

شكرًا لعبد الوهاب الحمادي وسعد حاجو وناندا محمد.

02 يونيو 2025

2020... يا عفو الله!

الثاني من يونيو 2014:

أجلس بالقاعة المكيفة- جوارك- الشاشة تُضيء عتمة القاعة، ويدوِّي صوت الطلقات من السماعات، على الشاشة البطل- الخارج عن القانون- تصيبه رصاصة وينزِّف بين يديّ حبيبته.

اقترب منك أكثر، التمس الدفء بين يديك، أبكي ورأسي مستندة إلى كتفك. يدك تربِّت على كفي وتهمس لي ضاحكًا: "بتعيطي ليه؟ ده فيلم مش حقيقة؟!".


سبعة أعوام امتنعت فيها عن الذهاب للسينما، وتجنبت مشاهدة أي دراما بها قتل ودماء؛ ربما لأن الكف الحانية المُطَمْئِّنة لم تعد موجودة، والأرجح لأن الخوف صار أكبر من أي طمأنة!

يونيو 2021:
"يا عفو الله"
عبارة بسيطة وهادئة، بصوت قصي خولي وملامحه المُحبَّبة، جذبتني لمشاهدة مسلسل 2020، لم أكن أعرف ما تخبئه لي تلك العبارة من وجعٍ، وانخدعت ببساطتها الآسرة!
لأربعة أيام كان صافي الديب وحياة العبد الله رفيقاي في الصحو والمنام. لم انجذب لدراما بهذا الشكل منذ أعوام وأعوام، كل مشاهداتي كانت لتمضية الوقت، والتأكيد على إن "ده فيلم مش حقيقة"، مهما أحببت العمل وأشدت بكفاءته وإتقان صُنعه. إلا 2020 كنت جزءًا منه؛ ممزقة كما "سما" بين حبٍ حقيقي ربما لا يمكن تعويضه، وواجبٍ ومسئولية لا يمكن التخلي عنهما ولا التضحية بكل ما تربيت عليه.
أحببت صافي وتألمت لكل لحظة راهن فيها على المحبة... وخذلته!
بكيت في الحلقات الأخيرة كما لم أبكي منذ زمنٍ، لعنت كل ما يضطر الإنسان لأن يكون على غير ما يحب ويتمنى.


انتظر بصبرٍ نافذ الجزء الثاني من المسلسل، ربما لينتصر الحب، ويربح صافي رهان دفع حياته ثمنًا له.
وكما تقول شارة المسلسل:
"ما في قلب داق الحب... وطلع منه صاغ سليم"!

(كُتب في يونيو 2021)

14 سبتمبر 2023

سلامٌ على إبراهيم


 "تستند الرواية على وقائع حقيقية، لكن محمد عفيفي لم يتعامل معها برؤية المؤرخ الذي يوثق حدثًا تاريخيًا ويحلله، بل بخيال الروائي الذي يخلق الأحداث وينسج جمل الحوار متحررًا مما يكبل المؤرخ من قيود".

كانت هذه الكلمات جزءًا مما كتبه الأستاذ الدكتور عماد أبو غازي على الغلاف الخلفي لرواية "سلامٌ على إبراهيم"، وهنا يقدم أبو غازي للقارئ "المفتاح السحري" للدخول إلى عالم محمد عفيفي؛ كمؤرخ لم يقدم عفيفي ما يكتبه على أنه "التاريخ"، وإنما جاءت كتاباته التاريخية تأكيدًا على أنه لا توجد رؤية أُحادية للتاريخ، وأن ما يكتبه المؤرخون هو "وجهة نظر" لما حدث، وأن الحدث الواحد له عدة أوجه ويمكن التعبير عنه بأكثر من سردية تاريخية.

وعند دخوله لعالم الرواية كانت غايته- عن قصدٍ أو دون قصد- تخليص القارئ من الأفكار المسبقة عن "ماهية الرواية التاريخية؟" وأنها "وسيلة لتلقين القارئ بعض المعلومات التاريخية في قالبٍ درامي". لا يقدم عفيفي لقارئه معلومات كثيرة مذيلة بهوامش ومراجع، وإنما يتخذ من "المسكوت عنه"، أو ما تم تهميشه في التاريخ نقطة انطلاق له، ثم يطلق لخياله العنان لتقديم ما يمكن أن يسد الفراغات المسكوت عنها.

في روايته الأولى حاول عفيفي "صدمة" قارئه باختيار شخصية خلافية تتضارب حولها المعلومات والآراء مثل يعقوب، لكي يلفت انتباه القارئ إلى أنه لا توجد أحكام قاطعة في التاريخ، وأنه بين الأبيض والأسود مساحات رمادية هائلة هي المسرح الأساسي الذي تجري به الأحداث وتعيش الشخصيات التاريخية وتلعب أدوارها عليه، وتلك المساحات هي ما يجب على المؤرخ سبر أغواره ولكن القيود الأكاديمية تعوقه، فكان في الخيال الروائي فسحة للبوح بما لا يستطيعه الأكاديمي.

وفي روايته الثانية "سلامٌ على إبراهيم" يُكمل عفيفي ما بدأه، باختيار شخصية تاريخية يصدم القارئ بحديثه عنها ويهز الثوابت التي تقوم عليها صورة إبراهيم باشا في العقل الجمعي، وهنا الصدمة مزدوجة؛ فالقارئ العادي يعرف إبراهيم باشا "البطل الفاتح" القائد العظيم كما تقدمه الكتب المدرسية ويبرزه تمثاله الشهير وهو يمتطي صهوة جواده شاهرًا سيفه يكاد يُسمع صوته وهو يصيح في جنوده: "إلى الأمام يا أولاد". أما القارئ المتخصص يعرف ما روجه أعداء إبراهيم باشا حول صحة نسبه لمحمد عليّ، فيجد في الرواية صورة مغايرة لإبراهيم باشا "الابن المزعوم".

في الروايتين يصحب عفيفي قارئه في رحلة بين زمنين: الزمن الذي عاشت فيه الشخصية التاريخية، والزمن الذي تدور فيه أحداث الرواية. ولكن بقراءة متأنية نجد أن هناك زمنًا ثالثًا يشتبك معه القارئ وهو الزمن الحالي، أي وقت كتابة الرواية نفسها، فلا يمكن قراءة المشكلات التي واجهت صُناع فيلم "إبراهيم باشا" في أربعينيات القرن الماضي، دون التفكير في الوضع الراهن واستمرار بعض هذه المشكلات قائمًا إلى الآن بشكلٍ أو بآخر.

"سلامٌ على إبراهيم" لا تقدم تاريخ إبراهيم باشا منذ ولادته حتى وفاته، وإنما بذكاءٍ شديد يستدعي عفيفي إبراهيم باشا في لحظاتٍ قليلة كاشفة، سواء كطيفٍ زار أحمد رامي ليضعه أمام مرآة نفسه ويسأله: عن أي إبراهيم تكتب؟! أو كصورٍ متناقضة تقدمها "الوثائق الرسمية" يجد شفيق غربال نفسه غارقًا بينها، فأي صورةٍ يختار لتكون هي البطل في الفيلم المأمول؟! أو الصورة المثالية التي تبناها يوسف وهبي في كتابة السيناريو "الرسمي" للفيلم، والتي تخدم رؤيته بأن "الفن حركات"؟!

"التاريخ حمَّال أوجه"... جملة اختزل فيها عفيفي نقاشات وآراء كثيرة، وقدم تجسيد عملي لها عبر فصول الرواية التي ضمت أصوات عديدة لكلٍ منها وجهة نظره، دون تغليب صوتٍ على آخر، لإشراك القارئ معه في "اللعبة" ليكوِّن صورته الخاصة عن "التاريخ"، البطل الحقيقي لأعمال محمد عفيفي المؤرخ والروائي.

07 يوليو 2021

يعقوب: المجد للأحلام


 

"قال الراوي يا سادة....

هذا زمان البوح: العمر والأحلام المؤجلة".

بهذه العبارات أعلن د.محمد عفيفي عن صدور روايته الأولى "يعقوب"، وكعادته لا يكتب حرفًا دون أن يكون وراءه معنى وله دلالة؛ بالفعل هذا زمان البوح، تكثر به كتابات السير الذاتية وتجارب العمر للأدباء والمفكرين والساسة والمشاهير، سواء على شكل كتب سيرة ذاتية خالصة أو من وراء حجاب الرواية والقصص. كمؤرخ رصد عفيفي عددًا من هذه الكتابات وبدأ سلسلة مقالات بالعنوان نفسه "هذا زمان البوح"، وفي روايته يبوح بالكثير عن التاريخ والكتابة التاريخية بين جيل متحفظ يقدس الوثائق وجيل جديد منفتح على العالم مؤمن بتكامل العلوم وضرورة مواكبة تطورات العصر. يبوح بما غضت الكتابات الأكاديمية الطرف عنه عند الحديث عن شخصية خلافية غنية بالمتناقضات مثل المعلم يعقوب، يُرجعه إلينا إنسان من لحمٍ ودم، له مبرراته ومنطقه في كل ما فعل دون شيطنته أو الإفراط في تمجيد دوره. يبوح بمتاعب مؤرخ له روح فنان وسط كهنوت جامد يسخر- بل ويدمر- كل مخالف أو خارج عن الإطار المرسوم سلفًا.

"يعقوب" حلم طارد عفيفي ربما لنصف عمره أو أكثر؛ صدفة أوقعت بين يديه الرواية الرسمية للكنيسة عن يعقوب، الشاب الصغير الباحث في تاريخ الأقباط في الماضي ليفهم لماذا يقع تفجير بكنيسة يروح ضحيته أبرياء مسلمين وأقباط، ورقة صغيرة تدخله عالم واحد من أكثر الشخصيات القبطية المثيرة للجدل والتي لم يقترب منها مؤرخ بدراسة مُنصِفة ولا حتى حكى عنها أديب!

خمسة وعشرون عامًا يظهر فيها يعقوب للتلميذ الشاب ويختفي دون أي تفسير، أحلام متباعدة تداهمه يرى فيها وجوه يعقوب المتعددة: صاحب الحلم، الماجن، الغاضب، صاحب النفوذ، الخائف من الموت. خمسة وعشرون عامًا يطارد التلميذ شبح يعقوب ولا يمكنه الإمساك به، في كل مرة يفاجئه بوجهٍ جديد يزيده حيرة. أخذ بنصيحة أستاذه وترك دراسة هذه الشخصية الخلافية، واكتفى بما يُشبع نهم فضوله كمؤرخ لسبر أغوار هذه الشخصية والتعرف عليها. لكن الحلم قد يؤجَل لكنه لا يموت أبدًا؛ كبر التلميذ وتخفف من أعباء الوظائف الإدارية وحان وقت تحقيق الأحلام المؤجلة، وكان السؤال الأصعب هل يقدم دراسة أكاديمية عن يعقوب؟ كانت الإجابة سريعة وواضحة وحاسمة: لا. يعقوب بشخصيته المثيرة للجدل، والتلميذ بفكره غير التقليدي المتحرر من الكهنوت الأكاديمي لا يليق بهما دراسة جامدة، لا بُد من قالب يناسبهما، فكانت الرواية هي الوسيط المثالي.

"يعقوب" ليست سيرة ذاتية، لا ليعقوب ولا للتلميذ نفسه، قد يكون بها بعض من سيرتهما، لكنه ليس المقصد الأساسي، الحلم هو كلمة السر في هذه الرواية؛ حُلم التلميذ بكتابة تاريخية جديدة أكثر قربًا من الناس، حُلم الخروج من نمطية "الأبيض والأسود" في إصدار الأحكام على الشخصيات التاريخية، بل وربما الخروج من فكرة إصدار الأحكام نفسها!

"يعقوب" رواية غنية رغم قصرها، عوالم متداخلة بين الحقيقة والخيال. منذ الصفحة الأولى وإلى أخر كلمة في الرواية يضع "عفيفي" القارئ في حيرة مُحَبَبة بتقديمه شخوص حقيقية سواء في زمن يعقوب: المعلم جرجس الجوهري، الشيخ المهدي، ديسيه، لاسكاريس، أو في زمن كتابة الرواية: آندريه ريمون، ضحى عاصي، ماجد كامل، ضياء العنقاوي، خالد عبد المحسن.... أسماء كثيرة ربما قابل القارئ بعضًا منها شخصيًا! مواقف عاشها التلميذ على مدار حياته يصوغها عفيفي برهافة حسٍ عالية يمزج فيها الحقيقة بالخيال فلا تدري هل ما دار بين الشيخ المهدي ويعقوب حدث فعلاً أم هو مجرد حلم رآه التلميذ؟ هل الحوارات الطويلة مع أصدقاء التلميذ حول يعقوب وتحليل شخصيته محض خيالٍ روائي أم توثيق لمحاوراتٍ حقيقية؟

"يعقوب" بدأت بالتلميذ الباحث عن الإجابات غير التقليدية وسط جمود وتحجر أكاديمي، وانتهت بالتلميذة/ الحلم بجيل جديد خارج عن المألوف منفتح على العالم، يُكمِل ما بدأه التلميذ، وبينهما ثمانية عشر لوحة درامية تتناغم فيها حكمة المؤرخ الخبير وخيال الروائي الحالم، لا تقدم إجاباتٍ قاطعة نهائية ولا رؤية آحادية، وإنما تفتح مجالاً واسعًا لمزيد من التساؤلات والبحث.. والحلم.

 المجد لمن عاش ومات تلميذًا حالمًا باحثًا عن إجابات.

01 مارس 2014

سقفٌ من ورق.... "لا أسلك ما تسلكون"!



"الحرية" كانت كلمة السر في قراءة هذه المجموعة، فعلى مدار قصصها الستة عشر كان التحرر بكافة أشكاله ومعانيه ومستوياته في مواجهة "عبثية" الحياة أو حتى "عبثية" محاولات التعايش بها/ معها، هو القاسم المشترك.
"حصار" هي أولى قصص المجموعة، بداية موفقة جدًا تقدم ما أراد الكاتب طرحه:
"أنت من يحاصرك"، كل ما حولك من تقاليد/ عادات/ أعراف/ جدران/ سلطة (سياسية/ اجتماعية..)/ معتقدات/ مفاهيم متوارثة عن الدين... كل ذلك إلى زوال، بل كلها لا وجود لها إلا بقدر انصياعك وخضوعك لها. أنت من يملك فرص الحصار، وأنت ـ وحدك ـ القادر على الخلاص منه.
وتستمر قصص المجموعة في تقديم تنويعات مختلفة لفكرة الخروج من هذا الحصار، والتأكيد على أن السبيل الوحيد لمواجهة عبثية الحياة هو التحرر من كل القوالب والمظاهر الخادعة والانطباعات المسبقة.
وفي النهاية يطرح الكاتب طريقين للخلاص؛ سواء بنهايةٍ عبثية تليق بعبث الحياة كما في القصة ما قبل الأخيرة "خلاص". حيث كانت مواجهة الخطر هي سبيل الراحة حتى مع الموت، فموت البطل كان عن قناعة ورضا ولا يُثير في النفس حزنًا قدر ما يثير الارتياح!
أو يأتي الخلاص بصورةٍ أخرى ـ أكثر إشراقًا ربما ـ في القصة الأخيرة "ياللي إنت ناسينا"، حيث كان كسر القواعد والتحرر منها هو أول خطوة لعيش الحياة كما يشتهيها البطل لا كما يريدها الآخرون.
"سقفٌ من ورق" مجموعة مُبشِرة لكاتب موهوب يمتلك المقدرة على خلق عالمه المتميز وبناء الشخصيات الملائمة لأفكاره التي يصيغها بلغته الخاصة وتراكيبه المُميزة.

صفحة الكاتب على الفيس بوك:
https://www.facebook.com/alwaseefkhaled

صفحة المجموعة على الجودريدز:
https://www.goodreads.com/book/show/20748913

لقراءة بعض قصص المجموعة:
http://alwaseef-khaled.blogspot.com/

24 أكتوبر 2012

إليها.. من علمتني أن بعض الفقدِ.. حياة

message in a bottle


عزيزتي تيريزا :

بالأمس رأيتك صدفةً، تعلمين أتجنب لقاءك قدر المستطاع، في كل مرة تفتحين بابًا أحسب أني أحكمت إغلاقه.

تأخذني حكايتك مع جارييت للسؤال الذي أهرب منه دومًا: أأحببته أم أحببت حبه لها؟

مثلك، وقعت ف الفخ رغم كل محاولاتي للحذر.. أنا لن أقع بحبه، فقط أريد أن أعرف كيف يبدو الرجال حين يعشقون لهذه الدرجة؟؟

كاذبتان، أنت وأنا، نعلم أننا تورطنا بعلاقةٍ لا فكاك منها ولا بالموت حتى...

 تأخذك حكايته مع "كاترين" وتتمنين لو كتب لك أنتِ تلك الخطابات، ترى من هي؟ كيف كان شكلها؟ كيف حولته من رجلٍ عادي لأسطورةٍ يصعب تصديق وجودها؟؟

رحلت بأسئلتك تبحثين عنكِ في قصتهما...

 في اللقاء الأول كنت تملكين صورة شبه كاملة عنه/عنها ومع ذلك أنت بنظره.. "غريبة".

 أعرف شعورك لحظتها، مؤلم للغاية أن نتظاهر بالدهشة/ عدم المعرفة لمن نملك ماضيه، أكاد أسمع دقات قلبك متسارعة وأنتِ تجاهدين كي لا تُفلت منك كلمة يعرف منها كم أنت قريبة. تبدين كالسائر بحقل ألغام دون خريطة، كل رفعة قدم وكل نفسٍ هو خطوة نحو موتٍ محتمل ومع ذلك لا بد من المسير مع خطر الانفجار القائم في كل لحظة وفي أي اتجاه.

عزيزتي تيريزا..

في كل مرة أتابعك وكأنها المرة الأولى.. أعرف نهايتكما/ نهايتي ومع ذلك أتمسك بسرابٍ يتراءى ليّ كحلمٍ بعيد.. سيتمكن من إنقاذ الأسرة كلها؛ يتخلص من أخر خيطٍ يربطه بماضيه ويأتي لك.. تفتحين باب منزلك لتجديه بالجاكيت البني والبلوفر الكحلي والبنطال الجينز، دون أن ينطق سترينك بعينيه تسكنين كل شريانٍ بهما، يحملك معه لوطنه وتبدأن رحلة لا فقد فيها ولا أحزان..

24 مايو 2012

أنا و..الانتخابات !!

أولاً أنا باكره السياسة جدًا، مسألة مزعجة بالنسبة لي وشايفة إن مفيش حد بيشتغل فيها ويبقى صح 100% لازم نسبة من المناورة والتنازل وأحيانًا الغش والخداع.
ثانيًا معظم ـ إن لم يكن كل ـ اللي حواليا بدايةً من أمي لحد أصحابي شايفين إني سلبية بنسب متفاوتة حسب قدرتهم على بلع "سلبيتي".
ثالثًا لحد يوم الانتخابات الفجر كنت واخده قرار بإني مش هأنتخب أي حد، مش لإني مش لاقية الرئيس المثالي من وجهة نظري، لكن لأسباب تانية كتير:
أولها لإني شايفة إن حدوتة الانتخابات من أولها حدوتة بايخة ومش محبوكة. يعني بأي منطق يبقى فيه واحد مرشح نفسه وهو متقدم ضده بلاغات فساد؟ ويعني إيه مرشح ييجي بعد غلق باب الانسحاب أو التنازل ويقول إنه متنازل لمرشح تاني كده بشكل حِبي؟ والأدهى والأمر مرشح بيقول والنبي أنا ما عايز اترشح هما اللي رشحوني؟!! ومع ذلك الناس بتهلل له وشايفاه الأجدر عشان ما طلبهاش؟ هي الناس دي مُغيبة ولا أنا اللي مش فاهمة حاجة. افتكر إن زمن الخلافة وطلب الولاية انتهى من زمان قوي والناس اللي بترشح نفسها دي رايحة على أساس إنها "جمهورية" مصر مش الخلافة المصرية.
تاني سبب إني بعقلي ـ اللي على قده ـ شايفة إن من غير المعقول إني اختار واحد لمنصب لسه مش معروفة ملامحه ولا شكل المهام اللي هيبقى مسئول عنها ولا حتى نوعية النظام اللي هيدير مهامه دي عن طريقه، ناهيك عن إن حد عاقل أصلاً يتقدم للمنصب الهلامي ده!
ثالث سبب إني مقتنعة إن أي رئيس هييجي المفروض بعد ما يتعمل الدستور يتقدم باستقالته هو ومجلس الشعب والشورى وتتعاد الانتخابات دي كلها من الأول وإحنا فاهمين مين هيعمل إيه وإزاي. يعني لو كانوا سمعوا كلام البرادعي واتعمل الدستور قبل كل الكلام ده مش كنا ارتحنا؟؟!
أخر حاجة كانت مخلياني مش عايزة انتخب أي مرشح حالة القرف اللي ساكناني من كم البذاءات اللي شفتها من أنصار كل المرشحين، يمكن ده لإني خيالية في تصوراتي السياسية، يعني شايفه إن من حق كل واحد يدافع عن الشخص المقتنع بيه ـ أيًا من كان ـ من غير ما يجرح في أي مرشح تاني. مش من الشجاعة ولا الاحترام عندي إني أفرح بتقطيع صور أي مرشح أو أسمح لنفسي بخداع أنصاره علشان هو يستاهل كده من وجهة نظري.
بعيدًا عن جمهورية الـ"فيس بوك" الخيالية الناس الحقيقيين اللي مايعرفوش طريق الفيس بوك، كل حملات التشويه ـ اللي بيتباهى بها الفيسبوكيين ـ بتتقابل منهم بامتعاض وازدياد لشعبية المرشح المغضوب عليه في الفضاء الافتراضي وبيكسب أصوات جديدة ف الواقع.
ايه بقى اللي خلاني أغير رأيي وانتخب؟
لسه مش واثقة في نزاهة المسئولين عن الانتخابات ومش حابه إن أي حد يستغل صوتي وينتخب لي اللي على مزاجه، أو على أحسن الفروض يمكن صوتي يفرق في ترجيح كفة مرشح.. يمكن.
السؤال بقى اللي بيعصبني: انتخبتي مين بقى؟؟ (لازم يكون مصحوب بابتسامة واسعة)
مش من حق أي مخلوق يسألني السؤال ده، زي ما أنا مش من حقي اسأله لأي مخلوق. ده اختيار شخصي، مش بأقول إني صح وإن اللي بيصرح باسم مرشحه غلط، بس كل واحد حر
بس علشان هنا "بانطلق عصفور" ممكن أفضفض شوية حوالين ازاي اخترت المرشح بتاعي؛ أولاً كان فيه اسماء مرفوضة رفض بات وقاطع وجازم وكان اختياري محصور بين 3 أشخاص، استبعدت أصغرهم مش علشان مالوش فرصة يفوز لكن علشان نغرس نبتة ونستنى منها طرح شديد لازم نحطها في التربة الصح اللي تناسبها، ولحد دلوقتي التربة مش مهيأة لاستقبال غرس جديد ـ من وجهة نظري طبعًا ـ فكان استبعادي له خوف عليه وإدخاره لفرصة أكثر ملائمة وأحسبها غير بعيدة.
فضل قدامي اختيارين شايفه إن فرصتهم لحد ما متكافئة، ولحد الفجر كنت محتارة ومش عارفه اختار مين. بعد ما صليت الفجر طقت ف دماغي فكرة بصيت تاني على أنصار كل مرشح منهم وشفت مين اللي مصدقاهم أكتر ومين اللي متأكدة لحد كبير إنهم مش هيسكتوا لمرشحهم لو خالف الطريق اللي راسمه وحب يعمل فيها "إله" جديد. ضميري ارتاح لواحد وقلت على بركة الله
الجميل إني لما نمت حلمت بلجنة الانتخاب وكانت في بيت حد من قرايبي وكانت طريقة الاختيار عن طريق "العصير"! كان كل ناخب بيحط كوباية عصير على الترابيزة المخصصة للمرشح اللي اختاره والترابيزة اللي عليها كوبايات أكتر صاحبها هو اللي هيفوز :)
بعيدًا عن إن الحلم كان مباشر جدًا ورموزه واضحة ورايحة ف اتجاه مرشح بعينه، اخترت الشخص اللي حسيت إنه له كبير، يعني مش بيقول أنا شجيع السيما اللي بافهم ف كل حاجة ورأيي أمر واجب النفاذ دون مجادلة ولا مناقشة، ولكن شخص بيعترف إن كل إنسان أدرى بتخصصه وبيفهم فيه أحسن منه، ومش من الصعب عليه إنه يعترف إنه أخطأ ويعتذر عن خطأه حتى لو كان غير مقصود ووراه ناس سهل تقول له لأ لو شافته حاد عن الصواب.
أخيرًا اخترت الشخص اللي شفت الشباب الصغير مرجح كفته لإني مؤمنة إني باختار لبكره والشباب دي هي اللي هتعيشه ومش من حقي أحرمهم من حلمهم مادام اختيارهم متماشي مع قناعاتي بنسبة معقولة.

01 أبريل 2010

رسائل البحر... عايز بفرحي أبوح


دخلت قاعة العرض بذهنٍ خالٍ من أي رأي سبق وسمعته عن الفيلم عدا الجملة السابقة، ومن أول مشهد أدركت صدق هذه المقولة.
منذ المشهد الأول، جملة بسيطة جاءت على لسان البطل حين عرض عليه أخيه ترك الفيلا لأنها أصبحت "كبيرة عليه"، فكان رده مُتهتهًا: "العالم ده بقى ضيق قوي عليَّ". أخذتني الجملة وأجبرتني على الدخول لعالم الفيلم وأبطاله، ومع تتابع المشاهد والحوارات تأكدت أني أمام شئ مختلف.
الفيلم لا يمكن أن يُحكى، لابد أن يُشاهد فكل شخص سيحكيه لن ينقله بدقة، سيحكي معه ما وصله من رسائل حملها الفيلم. قد يراه البعض صراع بين الإنسان والطبيعة؛ الخير والشر؛ الفقر والغنى؛ الواقع والحقيقة؛ المظهر والجوهر؛ التمرد والخضوع... ويتجاوز أخرون ويجعلوا منه صراع بين الإنسان وخالقه. كل هذه تفسيرات ممكنة ولكنها لن تنقل لك ما أراده الفيلم فأجمل ما في الموضوع أن المتفرج شريك أساسي في "الحدوتة"، ربما من هنا جاء استغراب البعض وسؤالهم "أين تلك الرسائل؟" أعتقد أن العيب هنا في المتلقي فكل لقطة/جملة حوار/نغمة موسيقية تحمل رسائل عديدة لمن يستطيع التقاطها.
رسائل البحر هي مجموعة الأسئلة الفلسفية التي يطرحها الفيلم، وبصورة تلقائية نكررها معه، حول كل حقائق الحياة/الدين/الحب/الصداقة، ويترك لك وحدك الإجابة عليها.
الفيلم يصعب تصنيفه، والأصعب وصف الشعور الذي ينتابك حين تشاهده، قد تصدمك جرأة بعض المشاهد/الأفكار التي يقدمها ولكن لا تصل أبدًا لحد الإستياء أو التقزز، كل شئ موظف بدقة بالغة ليصل إلى غايته دون أن يجرح المشاهد. من هنا استغربت بشدة لوجود لافتة للكبار فقط على أفيش الفيلم، فما شاهدته في أفلام وربما أغاني أخرى، بعضها عُرض في التليفزيون، أثار استيائي واستهجاني أكثر من الفيلم.
شخصيات العمل مرسومة بدقة، كل منها يحمل بداخله متناقضات كثيرة لا تدرى أتتعاطف معها أم تلعنها؟ أبكتني مشاهد كثيرة في الفيلم: "قابيل" بحواره الساخر/المؤلم مع "بيسه" وهو ينقل لها خزانة ذكرياته لتحفظها له وتردها بعد أن "يُشفى"؛ "نورا" وهي تبرر قسوتها مع "يحيى"؛ ثم مشهدها العبقري وهي تتخلص من طفلٍ تريده وتُجبر على تركه وبعدها تتخلص من آلامها بإهداء لحظات من السعادة لحبيبٍ تتمناه ولا تقدر على البوح له فتعزف له "نزيف روحها"؛ "يحيى" وهو يسد أذنيه ليهرب من كلمات "نورا" عن "زبائنها" وانهياره على الأرض... الكثير والكثير. لأول مرة أخرج من صالة العرض متمنيةً أن أشاهد الفيلم مرات ومرات.
أكثر ما أثار إعجابي في الفيلم حواره الذي يدفعك للتفكير، حوار يُنسيك الثوابت ويُريك أوجه أخرى قد تتفق أو تختلف معها ولكنك في النهاية لا تبقى كما كنت.
رسائل صغيرة حملتها عبارات متناثرة من أفواه الشخصيات.. فكر فيما يمكن للأخر أن يعطيه لك ولا تتوقع ما تحلم به؛ إذا فقد الإنسان ذكرياته/ذاكرته تصبح حياته والموت سواء؛ هناك فارق كبير بين الحقيقة والواقع؛ جميل أن نُجيد الحديث لأنفسنا ولكن ماذا عن حديثنا مع الأخرين؛ الأشياء الجميلة/الممتعة يجب أن نتعب للحصول عليها... فلسفات صغيرة تدق أبواب العقل، من يفتح لها يدخل عالمها الرحب وتصله الرسائل وربما يصل لإجابتها.
في النهاية كانت أهم وأول الرسائل التي أهداها لي الفيلم أنه أجبرني على كسر حاجز الخوف بداخلي ودخلت وشاهدته بمفردي... كسر قواعد المألوف والمتوقع خطوة أولى للتغيير.
كلمة أخيرة:
مدينة بالشكر لكل من حملني على مشاهدة هذا الفيلم.. مقال عزت القمحاوي "رسائل داوود عبد السيد"، تدوينة "رسائل البحر" لأحمد الحضري، أراء المغامير الأعزاء: هناء؛ هدى؛ وليد.

19 سبتمبر 2009

قهوة سادة


منذ قرأت عنها للمرة الأولى منذ عام ونصف وعن النجاح الذي حققته على المستويين النقدي والجماهيري وأنا أتمنى رؤيتها، ولكن كلما نويت مشاهدتها تحول الظروف دون ذلك. ففي المرة الأولى دُعيت لحضورها بمسرح جامعة القاهرة ولكن موعد العرض لم يكن يتناسب مع مواعيد عملي، فاعتذرت وأنا آسفة على فرصة يصعب تعويضها. ومنذ عشرة أيام جاءت الفرصة الثانية على غير ترتيب مني، كان يوم الافطار السنوي لشركتنا وكان يومًا طويلاً كنت أنوي الانتهاء منه سريعًا لألحق بحفل "مدحت صالح" بقصر الأمير طاز، وفي طريق العودة أخبرتني صديقتى أنها ذاهبة لمقابلة صديقة لها بالأوبرا وأن صديقنا الفيلسوف ذاهب لمشاهدة عرض مسرحي هناك فلما لا أذهب معه؟ التفت لصديقى بلهفة وسألته: "قهوة سادة"؟ وحين أجاب أنها هي تبخرت كل مخططاتي، عذرًا يا مدحت فهذه فرصة لن تتكرر وصحبة يستحيل تعويضها، وطرت من السعادة لاقترابي من تحقيق أمنيتي الغالية.

توجه ثلاثتنا للأوبرا ولكن للأسف كان اليوم هو حفل محمد منير السنوي وإذا بدار الأوبرا تتحول لثكنة عسكرية يصعب اقتحامها، أو كأنها جنة الخلد التي لا يجرؤ على الاقتراب من أسوارها سوى من يحمل "صك الغفران"، تذكرة حضور الحفل. طفنا بأبواب الأوبرا جميعها دون جدوى وذهبت أحلامي أدراج الرياح، فلا طلت عنب اليمن ولا بلح الشام.

وفي الأسبوع الأخير من رمضان "أخر موعد لعرض المسرحية" حاولت أكثر من مرة أن أذهب لمشاهدتها ولكن لم تفلح محاولاتي، خلاص بقى مش أول حاجة أحلم بيها وما تتحققش ولا هتكون أخر حاجة، أمري لله.

وبالصدفة البحتة مساء الخميس الماضي كنت أتصفح جريدة الأخبار ليوم الجمعة، ووجدت خبر صغير بصفحة البرامج: "قهوة سادة" على الشاشة الصغيرة.. مسحت النظارة جيدًا وتأكدت من تاريخ الجريدة وأعدت قراءة الخبر.. نعم هذه جريدة الجمعة 18 سبتمبر 2009 والخبر صحيح ليس خيالاً، المسرحية ستعرض عند منتصف الليل بقناة القاهرة والناس... يا الله كم أنت كريم معي، ها هو حلمي يأتي إليّ دون انتظار.

وفورًا قمت بضبط منبه الموبايل ومؤقت التلفاز، ونمت وكلي سعادة وبهجة اتعجل مرور الساعات لأشاهد المسرحية، بالطبع لم أنس صديق رحلة الطواف الأوبرالي وأخبرته بهذا النبأ السار.

وجاء يوم الجمعة ومنذ الصباح أعلنت الأحكام العرفية بالمنزل، وأخبرت أمي أنها لن تشاهد اليوم حلقة "معز مسعود" كاملة فلتشاهد إعادتها صباحًا، وكعادتها رضخت لأوامري. مسكينة معي هذه الأم الحنون ترى ابنتها الكبرى مجنونة ومولعة بأشياء غريبة، أو هكذا تبدو لها، ولكنها لا تملك سوى النزول على رغباتها والدعاء لها بصلاح الحال و"روقان البال".

المهم حانت الساعة الموعودة وانتصف ليل القاهرة واتخذت مجلسي في مواجهة الشاشة، ممنية نفسي بأمسية رمضانية تتحقق فيها أحلامي. لحظتها راودتني خاطرة أن هذه الليلة "ليلة التاسع والعشرون من رمضان" هي بالفعل ليلة القدر.

وبدأت المسرحية وأخذتني لعالمها المسحور، أسرتني روعتها وسرت وراء لوحاتها الاثنى عشر كالمندوه الذي لا يرى ولا يسمع سوى "النداهة" فيتبعها دون سؤال. بالطبع كل لوحة/ مقطع من المسرحية يستحق التوقف عنده والتأمل فيه، فكل كلمة بل كل لحظة صمت تحمل في طياتها ملايين الأفكار. ولكن قطعًا كأنثى جاوزت الثلاثين دون "فارس الأحلام" هزني بشدة مقطع "العنوسة وتأخر سن الزواج"، ولكن كإنسان زلزلني مقطع "صلة الرحم" وأعجبني حد الوجع، وخفت أن ألقى يومًا هذا المصير.

أما المقطع الذي أضحكني حد البكاء، رغم أنه يكاد يكون مشهد صامت، لايوجد به سوى جملة أو جملتين، فهو مقطع "معركة بلا نهاية". تصورت في البداية أن الصديق توفى في حربٍ مثلاً ويُطالب صديقه بالثأر من أعدائه، وتصورت أشياء من قبيل "عباس الضو قال لأ... حضارة سبعة آلاف سنة بتقول لأ..لأااااااااااااه". ولكن جاء المشهد مخالفًا لتوقعاتي، وتحول الصديق، المُحمَّل بواجب الثأر لصديقه، إلى "سوبرمان" يقهر كل من يقف في طريقه، وها هو يقضى على جميع خصومه ليصل في النهاية إلى المحبوبة التي مات في سبيلها صديقه، وإذ بي أُفاجأ أنها "بضعة أرغفة من الخبز البلدي"!! ضحكت بل قهقهت إلى أن دمعت عيناي، مهما كُتِّب عن أزمة رغيف العيش والطوابير وضحاياها لن يوجد ما يُضاهي عبقرية هذا المشهد الذي زاد من وقعه وتأثيره الأغنية التي تلته "القمح الليلة ليلة عيده".. يااااااااااااااه إيه الروعة دي.

مسرحية "قهوة سادة" قد تكون بدون نجوم لامعة أو أسماء براقة، ولكنها مضبوطة قوي بمواهب تلقائية وشباب يرسم غد قد يكون أفضل إذا استمروا بهذا الاصرار، شباب مسكون بهموم بلاده يسخر منها دون استهانة، ويحب بلده دون مزايدة، وربما كانت اللوحة الأخيرة "الهجرة غير الشرعية" هي الصرخة التي اطلقوها في وجه الجميع، علها تجد من يستجيب لها.

عشت حلمًا جميلاً مع هذه المسرحية، لم يفسده سوى شئ واحد، بالطبع كانت ضربة موفقة من "طارق نور" أن يعرض مثل هذا العمل الناجح، ولكنه جانبه التوفيق في أنه لم يدرك خصوصية هذا العمل فشوهه بهذه الفواصل اللعينة من الاعلانات، فهذه المسرحية حالة درامية متكاملة يجب مشاهدتها دفعة واحدة. ولا أدري كيف غاب عنه، وهو من هو في عالم الاعلان، أن قطع مثل هذا العمل لن يجذب المشاهد بل على العكس سيزيده نفورًا من السلعة المُعلن عنها أيًا كانت. فمن يجلس لمتابعة "قهوة سادة" ليس كمن يجلس لمشاهدة حلقات المط والتطويل، فهو هنا لم يُفرِق بين جمهور "الست أم كلثوم" وجمهور "الست لما.. لما لما".